سيد محمد طنطاوي

264

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وعن الأحنف : كل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل يصير « 1 » . ثم أرشدهم - سبحانه - إلى لون ثالث من الأدب السامي ، فناداهم للمرة الثالثة بقوله : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ، فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . والمراد بقوله - تعالى - * ( إِذا ناجَيْتُمُ ) * : إذا أردتم المناجاة ، كما في قوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ . والمراد بقوله : * ( بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ ) * أي : قبل مناجاتكم للرسول صلى اللَّه عليه وسلم بقليل ، والكلام من باب الاستعارة التمثيلية . حيث شبهت هيئة قرب الشيء من آخر . بهيئة وصول الشخص إلى من يريد الوصول إليه ، على سبيل تشبيه المعقول بالمحسوس . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ ) * يعود إلى تقديم الصدقة ، والجملة بمنزلة التعليل للأمر بتقديمها . والمعنى : يا من آمنتم باللَّه - تعالى - حق الإيمان ، إذا أردتم مناجاة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والحديث معه في أمر ما على سبيل السر ، فقدموا صدقة للفقراء قبل مناجاته صلى اللَّه عليه وسلم فذلك التقديم خير لكم لما فيه من الثواب ، وأكثر طهرا لنفوسكم ، فإن لم تجدوا شيئا تتصدقون به قبل مناجاتكم له صلى اللَّه عليه وسلم فلا تحزنوا فإن اللَّه - تعالى - واسع المغفرة والرحمة . وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات ، منها : ما جاء عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - أنه قال : نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حتى شقوا عليه ، فأراد اللَّه - تعالى - أن يخفف عن نبيه صلى اللَّه عليه وسلم فلما نزلت هذه الآية ، كف كثير من الناس ، ثم وسع اللَّه عليهم بالآية التي بعدها « 2 » . وقال بعض العلماء : إن هذا الأمر قد اشتمل على فوائد كثيرة : منها : تعظيم أمر الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وإكبار شأن مناجاته ، كأنها شيء لا ينال بسهولة . ومنها : التخفيف عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالتقليل من المناجاة ، حتى يتفرغ صلى اللَّه عليه وسلم للمهام العظمى التي كلفه - سبحانه - بها . ومنها : تهوين الأمر على الفقراء الذين قد يغلبهم الأغنياء على مجلس الرسول صلى اللَّه عليه وسلم

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 76 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 301 .